الشيخ عبد الغني النابلسي

91

مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية

( وهذا المعنى ) الحاصل للعبد من ملكة المراقبة يسمى عند الصوفية ( جمعا ) لكونه مزيلا للتفرقة الحاصلة من قصر النظر على ظواهر الأمور دون العبور على بواطنها وحقائقها ، ( وقبولا ) لكونه جمالا روحانيا مشرقا على صفحات القلوب طامسا قبح النفوس وظلمة الطبيعة ، يلوح للناظر على الوجوه السوافر فيظهر سرّ قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أسر سريرة ألبسه اللّه رداءها » « 1 » . الطريقة الثالثة : الربط بالشيخ الذي وصل إلى مقام المشاهدة وتحقق بالصفات الذاتية ، فإن رؤيته بمقتضى « هم الذين إذا رؤوا ذكر اللّه » « 2 » تفيد فائدة الذكر ، وصحبته بموجب أنهم جلساء اللّه تتيح صحبة المذكور ، وإذا تيسر لك صحبة مثل هذا العزيز ورأيت أثره في نفسك فينبغي لك أن تحفظ ذلك الأثر الذي تشاهده فيك بقدر الإمكان . ( الطريقة الثالثة ) من طرق النقشبندية : ( الربط ) أي ربط المريد قلبه ( بالشيخ ) الكامل ( الذي وصل ) بروحه وقلبه إلى مقام المشاهدة - وقد سبق بيانها - ( وتحقق ) في نفسه ( بالصفات الذاتية ) المنسوبة إلى ذات اللّه تعالى من غير كيف ولا كيفية ، على التنزيه المطلق بحيث اضمحلت صفاته في صفات الحق تعالى كاضمحلال الظلال بالشخوص لاستقبال النور ، فإن الظل لا يظهر إلا إذا كان النور وراء الشاخص فإذا صار قدامه انعكس الظل إلى ورائه .

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء وقال : رواه ابن أبي الدنيا في الإخلاص عن عثمان بلفظ « ما من عبد يسر سريرة إلا رداه اللّه رداءها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر » ، ورواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد بلفظ لو أن أحدكم عمل في صخرة صماء لا باب لها ولا كوة لأخرج اللّه عمله كائنا ما كان ، قال النجم وسنده حسن . ( 2 ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ( 8 / 264 ) ، والطبراني في الكبير ( 19900 ) ، والبيهقي في الشعب موقوفا على سيدنا ابن مسعود بلفظ « إن من الناس مفاتيح ذكر اللّه إذا رؤوا ذكر اللّه » ( 718 ) ورواه مرة أخرى عن سيدنا ابن عمر مرفوعا بلفظ « خيار الناس الذين إذا رؤوا ذكر اللّه بهم » وأبو نعيم في معرفة الصحابة برقم ( 4188 ) « خيار عباد اللّه من هذه الأمة الذين إذا رؤوا ذكر اللّه » .